التوعيةُ بالمخاطرِ في العراق

نَحو إيصالِ رسائلَ مُنقذة للحياة إلى المُجتمعات الضعيفة

إنَّه المَسجِدُ النوري، بين رُكام تناثر في الأرجاء، وبين لوحة حطامٍ رسمتها حربُ داعشَ الأخيرة، يقفُ المسجدُ طويلَ القامةِ ملوحاً في الأفق، غربَ مدينةِ الموصل. جبالُ الأنقاضِ تطوق المبنى، و بقايا الحرب واضحة للعيان. لكن وبالرغم من ذلك، لايزالُ ذلك يُثير فُضول الأطفال في الجوار. يُشكل السياج المُحيط بالمبنى، والذي يهدفُ إلى إبعاد الزوار، تحدياً، لكن محمد* وشقيقته نور ما زالوا قادرين على الدخول من الفتحاتِ تحت السياج.

إنَّها بِضعُ دقائق فقط، صوتُ صاخب يترددُ في الأرجاء، بدا وأنَّ رحلة محمد ونور قُطعت فجأة. فأثناء التسلق على أكوام الأنقاض، تسببوا وبطريق الخطأ في إنفجار عبوة ناسفة مُبتكرة، مما أدى إلى إرسال شظايا إلى أجسادهم. كانت نور، والتي أُصيبت في حلقها، قادرة على النجاة. لكن وللأسف، لم يتمكن شقيقها الصغير من النجاة من جرح صدره.

عامٌ بعد ذلك، لا يزال وجود المخاطر المُتفجرة ينتشرُ في مدينة الموصل والمناطق المُحيطة بها. بعد ما يقرب من عامين من التحرير من داعش، لاتزالُ المناطق المُستعادة ملوثة بشدة بالعبواتِ الناسفةِ المُبتكرة والمُخلفات الحربية، مما يضمن أثر وجود داعش بعد مرور سنوات على هزيمتهم.

تقومُ دائرة الأمم المُتحدة للأعمالِ المُتعلقة بالألغام، وبالتعاون مع المُنظمات الأخرى المعنية بالأعمال المُتعلقة بالألغام، بالعمل عن كثب مع حكومة العراق، على تطهير هذه المناطق من المخاطر المُتفجرة. ومع ذلك، على الرغم من العمل المُكثف الذي يتم إجراؤه، من المقدر أن يستغرق الأمر سنوات قبل أن يتمَ تطهير المناطق المُستعادة بالكامل.

إذاً كيف تُحافظ دائرة الأمم المتحدة للأعمالِ المتعلقة بالألغام وغيرها من المنظمات المعنية بالأعمال المتعلقة بالألغام على سلامة الناسِ في هذه الأثناء؟

ببساطة، عبرَ التوعية بالمخاطر.

جديرٌ بالذكرِ أنَّ تعقيد وإبتكار الأجهزة المُتفجرة المصنعة أثناء إحتلال داعش فريدة من نوعها. حيثُ كانت جميع الأشياء متاحةً وقابلةً للتفجير، بما في ذلك العناصر المدنية الشائعة مثل مُعدات الطبخ والأثاث ولعب الأطفال. لذا ومثل هذا الإبتكار والتطور في صنع الأجهزة المتفجرة يتطلب أساليب تعليم حديثة ومبتكرة ومتطورة أيضاً تكون مماثلة لمواجهة هذه العوائق.

وبصفته ركيزة أساسية لإستراتيجية إدارة المخاطر المتفجرة التابعة لدائرة الأمم المُتحدة للأعمال المُتعلقة بالألغام في العراق، يلعب التوعية بالمخاطر دوراً محورياً وداعماً في جهود التطهير التي تقوم بها كل من الهيئة والهيئات الحكومية. حيثُ وفي جميع المناطق المُستعادة في العراق تعمل دائرة الأمم المُتحدة للأعمال المُتعلقة بالألغام على نشر فِرق من ضُباط الإتصال المُجتمعي ومدربين في مجال التوعية بالمخاطر في المناطق المجاورة القريبة، لِجمع المعلومات الأساسية حول التلوث بالمخاطر المُتفجرة وتقديم رسائل مُنقذة للحياة إلى المُجتمع المُحيط.

وبالإضافة إلى ذلك، تُدرك دائرة الأمم المُتحدة للأعمالِ المُتعلقة بالألغام أن الأفراد يفهمون المعلومات ويقيمونها على مستويات ومسارات مختلفة. لذا هذا هو السبب في أن تقوم دائرة الأمم المُتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام بتكييف الرسائل وفقاً لآليات التجميع المُختلفة، مثل: العمر والجنس والسياق والجغرافي والحالة المالية، إلخ. فيما يلي نماذج مختارة من أدوات ومُنتجات التوعية بالمخاطر التابعة لدائرة الأمم المُتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام.

جلسات التوعية بالمخاطر الشخصية:

تُقدم دائرة الأمم المُتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام سلسلة من الندوات/المحاضرات التفاعلية للمجتمعات الضعيفة و/أو النازحة، وكذلك الجهات الفاعلة الإنسانية والتي تستلزم مهمتها أن تكون حاضرة في الخطوط الأمامية للنزاع. كما يشملُ ذلك إستضافة الجهات الفاعلة في المجال الإنساني لجلسات شخصية، وزيارة مخيمات النازحين، وندوات مكثفة من الباب إلى الباب في المناطق الملوثة، وجلسات مفصلة في نقاط التجمع الرئيسية بما في ذلك مواقع مشاريع النقد-مقابل-العمل والمدارس وفعاليات معينة.

كما يتم تخصيص الجلسات دائماً حسب المجموعة المُستهدفة، مصحوبة بالمواد المطبوعة، والدعائم، وما إلى ذلك لنقل الرسائل المنقذة للحياة بأثر كامل. فبالنسبة للأطفال، تضمن ذلك دمج هذه الرسائل في عروض الدمى المُباشرة.

يُجدر بالذكرِ أنَّه وعلى مدار الخمسة عشر شهراً الماضية، نظمت دائرة الأمم المُتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام حوالي 36,300 جلسة تثقيفية حول المخاطر المُتفجرة إلى 650,100 مستفيداً، بما في ذلك 1,100 من الجهات الفاعلة في المجال الإنساني و 1,500 مسؤول حكومي شاركوا أيضاً في مختلف ورش عمل التوعية بهدف تبادل أفضل الممارسات وتعزيز قدراتهم.

أدوات وأساليبَ جديدة تُستخدم كطريقة إبتكارية

في محاولة لزيادة إنتشار رسائلها، حيثُ وضعت دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام رسائل توعوية في تغليف التمر وزجاجات المياه في رمضان، وكُتب تلوين الأطفال، والمُلصقات على الجدران، وسيارات الأجرة، وكذلك من خلال اللوحات الإعلانية. بالنسبة للجهات الفاعلة في المجال الإنساني، طبعت دائرة الأمم المُتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام الرسائل على القفازات التي تستهدف موظفي النقود-مقابل-العمل المشاركين في جهود إزالة الأنقاض وإعادة الإعمار. وهذا يضمن أن تكون هذه الرسائل المُنقذة للحياة موجودة دائماً ومرئية، وتعمل بمثابة تذكير دائم للسلوكيات الآمنة في كل مكان.

بالإضافة الى ذلك، تُعتبر نظارات الواقع الافتراضي أداة مُبتكرة أخرى تُستخدم أثناء جلسات التوعية أو فعاليات محددة لإتاحة الفرصة للمشاركين لتجربة البيئات الملوثة بالمخاطر المُتفجرة مباشرةً قبل مواجهتهم للوضع الواقعي.

الإستفادة من قوة الإعلام

سواءً أكان ذلك أطفالاً أم شباباً أم الكبار، فإن الإعلام يلعب دوراً أساسياً وجزأً لا يتجزأ في حياة العراقيين في جميع أنحاء البلاد. في حين أن أوضاع ووسائل إستهلاك الوسائط قد تختلف، إلا أنه لا تزال هناك شهية لكل من أدوات الوسائط التقليدية والحديثة.

بالإضافة إلى نشر رسائلها المنقذة للحياة من خلال أدوات الوسائط الحديثة مثل مِنصات التواصل الإجتماعي الخاصة بها، قامت دائرةُ الأمم المُتحدة للأعمالِ المتعلقة بالألغام بإنشاء العديد من الرسائل التلفزيونية والإذاعية. تم نشر مقاطع قصيرة تستهدف الأطفال والشباب والكبار على القنوات التلفزيونية والإذاعية المحلية. كما ظهر موظفو دائرة الأمم المُتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام في العراق على العديد من القنوات التلفزيونية والإذاعية باللغتين العربية والإنجليزية لتقديم رسائل تثقيفية حول المخاطر المُتفجرة.

إستضافة الفعاليات التوعوية من أجل تأثير أقوى

الأطفال هم الأهداف الرئيسية للعبوات الناسفة المُبتكرة المصنوعة من داعش. إذ أنهم أكثرُ المجموعات عُرضة للخطر الذي تشكله المخاطر المُتفجرة. وعلى هذا النحو، تقوم دائرة الأمم المتحدة للأعمال المُتعلقة بالألغام مع شركائها بتقييم آليات قوية تضمن الإستجابة على هذه الرسائل المهمة والمنقذة للحياة. يستضيف الشركاء المنفذون لدائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام باستمرار الفعاليات والمهرجانات الخاصة بالأطفال لزيادة نشر الرسائل التوعوية.

وفي آذار 2019، إستضافت دائرة الأمم المُتحدة للأعمال المُتعلقة بالألغام، وبرعايةٍ من حكومة اليابان، فعالية "السباق الآمن" للأطفال في مخيم ديبكة للنازحين في شمال العراق. شمل الحدث سباقاً طوله ثلاثة كيلومترات، وعرض لقطات تلفزيونية للتوعية بالمخاطر، وجلسة أسئلة وأجوبة، بالإضافة إلى العديد من الخطب. يمكنكم الاطلاع على أبرز الأحداث هنا.

في حين أنه من الصعب قياس النتائج الملموسة للتوعيةِ بالمخاطر، خاصة فيما يتعلق بعدد الأرواح التي تم إنقاذها، فإن التعليقات التي تم الحصول عليها من خلال تقييمات ما بعد الأثر أظهرت النتيجة الإيجابية لهذه المبادرات، بما في ذلك الإحتفاظُ بالمعرفة. في العراق، أودت الوسائل والطرق الحديثة لصنع العبوات الناسفة المُبتكرة بحياة العديد من المدنيين، بمن فيهم الأطفال. لذا تكون التوعية بالمخاطر هو في غاية الأهمية. كما ويجبُ أن يستمر التوعية بالمخاطر كتدبير وقائي مُتكامل حتى يتخلص العراق من المخاطر المتفجرة.

تودُ دائرة الأمم المتحدة للأعمال المُتعلقة بالألغام أن تشكر كلاً مِن أستراليا وكندا والجمهورية التشيكية والدنمارك وإستونيا والإتحاد الأوروبي وفنلندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان ولوكسمبورغ ونيوزيلندا وهولندا والنرويج والبرتغال وجمهورية كوريا والسويد والمملكة المتحدة الذين ساهموا وبفاعلية كبيرة في أنشطة إدارة المخاطر المُتفجرة والتوعية منها في العراق.

صور: دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام في العراق/جنكيز يار والأوج ميديا

* تم تغيير الأسماء لحماية هوية الأطفال