الفرق اليزيدية المختلطة في سنجار

معاً، النساء والرجال في الخطوط الأمامية لجهود التطهير في العراق

الأحد الدامي!
إنَّ صوتها قادم من بعيد، بل إنَّها تقترب، قالت لنفسها لا أشكُ في ذلك إنها أصوات إنفجارات متوازية يعزف لحن موت يقترب....إنه الأحد الثالث من آب (أغسطس) لعام 2014 بدا وأن الوقت ينفذ وعقارب الساعة تتسارع في خطاها، لم يبقى الا القليل من الوقت، علينا الرحيل فورا....

إنها نعيمة تروي ماحدث في قرية كوجو في منطقة سنجار شمال العراق، إنها قرية هادئة يلفها السلام والتعايش من زمن، بل ويمكن القول بعد إنسحاب القوات الأمريكية من العراق 2011. بعد سماعنا أخبار تفيد بسيطرة تنظيم داعش على مدينة الموصل، وتوجه التنظيم نحو سنجار، خرجنا مباشرة نحو الجبال لنعيش قصة نزوح صعبة دامت كثيراً.

يُذكر أن ذلك اليوم يُعتبر نقطة تحول في المسار السياسي للعراق. حيث أدى إجتياح "الدولة الإسلامية في العراق والشام" أو داعش، إلى هجرة جماعية وأزمة سياسية وإنسانية لم يسبق لها مثيل في التاريخ الحديث، و على وجه الخصوص للأقليات والسكان اليزيديين في سنجار. أفادت الأمم المتحدة أنَّ حوالي 5000 مدني يزيدي، مُعظمهم من الرجال، قد قُتلوا في هجوم آب، بل ورغم ذلك، كانت هذه فقط بداية لتنظيم داعش، إذ اتبع وحشيته بإجبار النساء اليزيديات على العبودية القاسية بل و تجنيدهن جنسياً، أو الأعدام رميا بالرصاص الحي، وهذا ما مثل بداية لإبادة جماعية للأقلية العرقية - الدينية.

الآن، بعد سنوات من هزيمة قوات الأمن العراقية لداعش، لا يزال تراثهم يعيش وبقايا هجوم يُرى صداه في مقابر جماعية في جميع أنحاء المدينة، و جدران المدارس المليئة بصور لأفراد الأسر المفقودين وبقايا المنازل المدمرة.

وليس هناك خطورةٌ يُعاني المجتمع اليزيدي منها اليوم بعد التحرير كالوجود الدائم للمخاطر المتفجرة. حيث العبوات الناسفة المبتكرة والمخلفات الحربية موجودة في كل مكان؛ الأمر الذي يهدد حياة اليزيديين ويعيق العودة الآمنة للنازحين.

في تشرين الثاني 2018، قُدر أن حوالي 200,000 يزيدي مازالوا مشردين في جميع أنحاء مخيمات اللاجئين في شمال العراق، رغم عودة حوالي 6,000 أسرة إلى ديارهم. جدير بالذكر أنَّ غالبية الذين قرروا العودة يعيشون في ظروف قاسية، بل وأنها أشبه بمدينة للأشباح مع الحد الأدنى من جهود إعادة البناء ونقص في الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء.

تعمد تنظيم داعش في مواجهته مع العمليات العسكرية لإستعادة أراضي سنجار في عام 2014 ، بزراعة متفجرات داخل مساكن اليزيديين، وهذا مايؤكدُ إستمرار العبوات الناسفة المبتكرة في المدينة حتى بعد وقت طويل من مغادرتهم.

تشكل مخلفات الحرب عقبة كبيرة أمام جميع جهود إعادة التأهيل والإعمار، إذ لا يمكن أن تبدأ أي مشاريع إنسانية مع كون البُنى التحتية الهامة كالمستشفيات ومحطات الطاقة والمدارس والجسور والطرق مليئة بالعبوات الناسفة المبتكرة - وغالباً ما تكون بالكاد مرئية بالعين. إذاً هُناك حاجة مُلحة لأنشطة إدارة المخاطر المتفجرة في جميع المناطق المستعادة من العراق، وخاصة في محافظتي الأنبار ونينوى، حيث تقع سنجار.

لقيادة وتنسيق وتسهيل أنشطة التوعية بالمخاطر وتعزيز القدرات في المناطق التي كانت خاضعة سابقاً لسيطرة داعش، تم إنشاء دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام في العراق في عام 2015 بناءً على طلب من الأمم المتحدة والحكومة العراقية. ومنذ ذلك الحين، كانت دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام في العراق في الخطوط الأمامية للنزاع، حيث دخلت الأراضي المحررة لتنسيق إستجابة لإدارة المخاطر المتفجرة.

أكد التقييم الذي أُجري في سنجار شهر تموز 2018 على كثافة وجود العُبوات الناسفة المُبتكرة في المناطق السكنية وعلى طول الطرق وأراضي الرعي. كما وضَّح ِمكتب القائم مقام وغيره من أصحاب المصلحة بأن ما يُقاربُ 4000 منزل في المنطقة، بالإضافة إلى البنى التحتية العامة مثل المستشفيات والمقابر والمدارس، بحاجة إلى مسح – لتقييم التلوث، والتطهير – لإزالة المخاطر المتفجرة، قبل أن تكون عودة النازحين ممكنة، لِذا سيتطلب ذلك عدداً كبيراً من العاملين والأدوات الميكانيكية، وستكون عملية طويلة الأمد.

قامت دائرةُ الأمم المُتحدة للأعمالِ المُتعلقة بالألغام في العراق بتنسيق نَهجٍ يُراعي النوع الإجتماعي ويحمي ويدمج احتياجات النساء والرجال والفتيان والفتيات في إدارة المخاطر المتفجرة، عَبر تشكيلها أول فريق مُختلط من الباحثين في العراق وضمان تدريب الشُركاء للأخذ بإعتبارات النوع الإجتماعي في إدارة المخاطر المتفجرة، مثل مُعدات السلامة المصممة للمرأة. يُذكر أنَّ الفرق شُكلت من نساء ورجال يزيديين ومسلمين من قضاء سنجار نفسها، مما يُسلط الضوء على العلاقة الشخصية والودّية للعمل مع العديد من أعضاء الفريق.

قامت دائرة الأمم المُتحدة للأعمال المُتعلقة بالألغام بتدريب فِرق التطهير في برطلة، على بعد ساعات قليلة غرب سنجار، قبل بدء العمليات في شهر نيسان. حيثُ إستمرت الدورة لمدة شهرين، وقدمها مُدربون ذو مهارات عالية يعملون مع أحد الشركاء المُنفذين لدائرة الأمم المُتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام. و تضمن التدريب مهارات وتقنيات مُتقدمة منسجمةٍ مع المعايير الإنسانية الدولية المتعلقة بالألغام.

في حين أن الحقائق على أرض الواقع تُخبرنا بالفعل، لكن ليس هناك ما يبعث على الإلهام مثل القصص الشخصية التي يشاركها الفريق المختلط من الباحثين وأعضاء مُجتمع سنجار، لذا فدائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام في العراق، توفر هذه الروابط الإنسانية للعمل الذي يتم في الميدان.

فيما يلي بعض القصص التي أثرت بنا وحفزت عملنا.

نعيمة

بعد أربع سنوات من هجمات داعش على سنجار، دربَ الشركاء المنفذون لدائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام أفراداً مُعينين من المنطقة كباحثين ومشغلين في عملية التخلص من العبوات الناسفة المُبتكرة.

بعض أعضاء الفريق المشاركين في المشروع هم من بين الآلاف الذين ما زالوا يعيشون في مخيمات النازحين وهم حريصون على عودة عائلاتهم وأصدقائهم ومُجتمعاتهم إلى منازلهم، حتى يتمكنوا من إعادة بناء حياتهم والعيش في بيئة آمنة خالية من المُتفجرات. يتم تدريب الباحثين ومشغلي التخلص من العُبوات الناسفة المُبتكرة على تحديد مواقع المواد المُتفجرة والتخلص منها بطريقة منهجية، بمساعدة عبر إستخدام مُعدات مُتخصصة وتحت إشراف الموجهين الدوليين.

نعيمة، الناجيةُ البالغةُ من العمر 22 عاماً من كوجو، هي واحدة من أكثر من 20 امرأة يُتابعن هذا المسعى الفريد. تتذكر جيدا الهجوم الذي وقع في 3 آب 2014.

"لقد قيلَ لنا أنَّ قوات البشمركة تم إجتياحهم من قبل الغزاة، وعلى ذلك صعدنا في السيارات فوراً وغادرنا. كان هُناك الكثيرُ من إطلاق النار والإنفجارات، في الحقيقةِ كانَ الأمرُ مخيفاً للغايةِ." وأضافت "لم يتمكن الكثيرُ من أصدقائي وعائلتي من الفرار إلى الجبال معنا؛ ما زلنا لا نعرف ماذا حدث للبعض منهم."

إنَّ التدريب الشاق الذي التحقت به نعيمة كُونَ من أيام طويلة، تماشياً مع كل مبنى أو قطعة أرض تُشكل مخاطر ومشاكل مُختلفة. يُعد الحِفاظُ على التركيز والوعي في المناطق المُتغيرة دائماً وفي جميع الأوقات أمراً أساسياً، بينما يتم استخدام مُعدات البحث المُتخصصة مثل أجهزة الكشفِ عن المعادن وتحديد المواقع بشكل جيد. جديرٌ بالذكر أنَّ الثقةَ في قدراتهم مطلوبة، لكن الإفراط في الثقة يمكن أن يكون مسألة حياة أو موت.

تعمل نعيمة الآن في المنطقة التي نشأت فيها، وتتمتع بمشاركة أساسية وفاعلة في مستقبل مجتمعها.

"بالإضافة إلى القدرة على إعالة أسرتي مالياً، فإن المهارات التي تعلمتها ستساعدني في مجتمعي، كما وبالتَطلعِ إلى الأمام، سيكون لأطفالي مُستقبل أكثر إشراقاً في هذا المجال. لم أكن أتخيل هذا الشيء قبل بضعة أشهر أبداً. زارنا رئيس بلدية سنجار وأخبرنا أننا جميعاً مُستقبل منطقتنا، لذا أدركت حينها و أكثرَ من أي وقت مضى، مدى أهمية الوظيفة التي دُربنا على القيام بها."

ناظم

بصفته العضو الوحيد الباقي من عائلته المُكونة من ثمانية أفراد، إنتقل ناظم إلى زاخو في محافظة دهوك في كردستان العراق، حيث يعيش مع أصدقائه في شقة مُستأجرة. تم العثورُ على بعض أفراد عائلته المُقربيين مدفونين في مقابر جماعية، بينما لا يزال الباقونَ في عداد المفقودين ولا يزال مكانهم مجهولاً. يُذكرُ أنَّ أفراد أسرته مُنتشرون في مواقع مُختلفة - بعضهم في قرى تقع شمال جبل سنجار، بينما فر آخرون من البلاد كلها. بينما لا يزال ناظم على اتصال معهم، لا يستطيع أن يتخيل نفسه وهو يغادر سنجار.

"سِنجار هو المكان الذي وُلدتُ فيه وأنتمي. لا أستطيع أن أرى نفسي أعيش في أي مكان آخر، وأتطلع إلى العودةِ إلى منزلي في المستقبل القريب."

يُدركُ ناظم أنه وفي الوقت الحالي، لاتزالُ غالبية سِنجار غير صالحةٍ للسكن، إذ تنتشرُ المخاطر المُتفجرة في كل مكان، وحتى يتم إزالتها، تستمر في إعاقة عودة مجتمعه بأمان.

مثَّلَ هذا كحافز أساسي له، لذا إنضم إلى فريق مختلط من الباحثين اليزيديين، والعمل مع الشريك المُنفذ لدائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام لتطهير منطقته من المخاطر المتفجرة.

حتى الآن، كانت تجربة رائعة بالنسبة له: "إن العمل مع زملائي من الإناث والذكور كل يوم، وخاصة مع تجاربنا المُشتركة، لمسح منازلنا ومدارسنا ومرافقنا المُجتمعية يَجعلُ الخطر في عملي يستحقُ ذلك. إنه يعطي المَعنى لما أقوم به."

وأضاف قائلاً: "من المجدي للغاية العمل إلى جانب زميلاتي - على قدم المساواة. اذ أنَّ هذا ما يسمحُ لنا بتبادل معارفنا وقدراتنا والتعلم من بعضنا البعض. نحن وعبرَ قدراتنا الفردية والجماعية في العمل، كرجال ونساء، نكمل بعضنا البعض."

في إطار غايتها في المساهمة بتغيير معايير النوع الإجتماعي في العراق مع إتاحة فُرصٍ مُتساوية للتوظيف، تفخرُ دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام في العراق وبشكلٍ خاص برجال ونساء فريق سنجار. وقد مكنهم العمل في الأعمال المتعلقة بالألغام من تحسين سُبلِ عيش أسرهم وأصبحوا عناصر فاعلة مهمة في إعادة بناء مُجتمعاتهم، وبالتالي تحويل قصة اليزيديين من ضحايا حربٍ إلى قدوة مُجتمع.

لا تزالُ هناك تحديات كثيرةٌ للفريق ومُجتمعاتهم، نظراً لأن عمليات سنجار نائية ويصعبُ الوصول إليها، فهناك تداعيات مُهمة على الخدمات اللوجستية، مثل الوصول إلى المواقع ووقت القيادة، فضلاً عن صحة الموظفين، وسُبلُ الأمان المُعقدة، حيث تمنع قواتُ الأمن المَحلية أحياناً من الوصولِ إلى المواقع على الرغم من الكتابات الرسمية للعمل. بالإضافة إلى ذلك، لا يرغب النازحون في العودة إلا بعد إستعادةِ الخدمات مثل الكهرباءِ والماء؛ وأولئك الذين عادوا يُضيفون طبقة من الخطر المُتزايد، حيث لا تزال هناك حاجة إلى تطهير مناطق مَعيشتهم، لتخفيفِ التهديدات التي يتعرض لها العائدون. تواصلُ دائرة الأمم المتحدة للأعمال المُتعلقة بالألغام سعيها للحصول على إذن بالعمليات في المساكن الخاصة، لإجراء التخليص السكنية الآمنة.

بالإضافة إلى ذلك، وبفهمِ أن غالبية الباحثين قد واجهوا الصراع مع داعش وإنعكاساتهم الخطيرة على أسرهم وأصدقائهم ومُجتمعاتهم، تعمل دائرةُ الأمم المُتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام في إطار شبكة الرعاية الصحية الإقليمية الحالية لتوفير الدعم النفسي-الإجتماعي لجميع موظفي البحث والتطهير. مع الوعي الكامل بأن التجارب ذاتها التي تحفز الفريق على إنتاج أفضل أعماله يُمكن أن تؤدي في بعض الأحيان إلى ذكريات الأحداث السابقة أو الحالية، لذا تحرصُ دائرة الأمم المتحدة للأعمال المُتعلقة بالألغام على التأكد من أن الصحة البدنية والعقلية لجميع فرقها في وضع جيد.

يُوفرُ العملُ الذي قامت به فِرق دائرة الأمم المتحدة للأعمال المُتعلقة بالألغام المُختلطة في سنجار مُخططاً لعمليات إزالة الألغام المُستقبلية في العراق. تلتزم دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام بإدماج النوع الاجتماعي في جميع أنشطتها في البلد. يُعد ألاخذُ بإحتياجات النساء والرجال والفتيان والفتيات في إستجابة إدارة المخاطر المتفجرة أمراً حاسماً في ضمان المساواة والكرامة للمُجتمعات الضعيفة، وتمكين عودة النازحين بأمان وكرامة إلى مناطقهم الأصلية.

تود دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام أن تشكر حكومات أستراليا، والجمهورية التشيكية، والدانمرك، وإستونيا، وفرنسا، والاتحاد الأوروبي، وفنلندا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان، ولوكسمبورغ، ونيوزيلندا، والنرويج، والبرتغال، وجمهورية كوريا، والسويد، والمملكة المتحدة لتوفير فرص متكافئة للنساء والرجال وكذلك دعم مبادرات تعميم مراعاة النوع الاجتماعي في الأعمال المتعلقة بالألغام.

المراجع:

United Nations Population Fund (UNFPA) - https://www.unfpa.org/news/after-escape-former-isil-slaves-face-new-challenges

Norwegian Refugee Council (NRC) - https://www.nrc.no/news/2018/november/several-hundred-thousand-yazidis-remain-displaced/

الصور: دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام في العراق/جنكيز يار